أبي حيان الأندلسي

416

البحر المحيط في التفسير

بذلك إلى جميع ما أمر به ونهى عنه . وهذه الطاعات يدل إيصاء لقمان على أنها كانت مأمورا بها في سائر الملل . والعزم : ضبط الأمر ومراعاة إصلاحه . وقال مؤرج : العزم : الحزم ، بلغة هذيل . والحزم والعزم أصلان ، وما قاله المبرد من أن العين قلبت حاء ليس بشيء ، لا طراد تصاريف كل واحد من اللفظين ، فليس أحدهما أصلا للآخر . وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ : أي لا تولهم شق وجهك ، كفعل المتكبر ، وأقبل على الناس بوجهك من غير كبر ولا إعجاب ، قاله ابن عباس والجماعة . قال ابن خويزمنداد : نهى أن يذل نفسه من غير حاجة ، وأورد قريبا من هذا ابن عطية احتمالا فقال : ويحتمل أن يريد : ولا سؤالا ولا ضراعة بالفقر . قال : والأول ، يعني تأويل ابن عباس والجماعة ، أظهر لدلالة ذكر الاختيال والعجز بعده . وقال مجاهد : وَلا تُصَعِّرْ ، أراد به الإعراض ، كهجره بسب أخيه . وقرأ ابن كثير ، وابن عامر ، وعاصم ، وزيد بن علي : تصعر ، بفتح الصاد وشد العين ؛ وباقي السبعة : بألف ؛ والجحدري : يصعر مضارع أصعر . وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً : تقدم الكلام على هذه الجملة في سورة سبحان . إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ : تقدم الكلام في النساء على نظير هذه الجملة في قوله : إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتالًا فَخُوراً « 1 » . ولما وصى ابنه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، إذ صار هو في نفسه ممتثلا للمعروف مزدجرا عن المنكر ، أمر به غيره وناهيا عنه غيره ، نهاه عن التكبر على الناس والإعجاب والمشي مرحا ، وأخبره أنه تعالى لا يحب المختال ، وهو المتكبر ، ولا الفخور . قال مجاهد : وهو الذي يعدد ما أعطى ، ولا يشكر اللّه . ويدخل في الفخور : الفخر بالأنساب . وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ : ولما نهاه عن الخلق الذميم ، أمره بالخلق الكريم ، وهو القصد في المشي ، بحيث لا يبطئ ، كما يفعل المتنامسون والمتعاجبون ، يتباطئون في نقل خطواتهم المتنامسين للرياء والمتعاجب للترفع ، ولا يسرع ، كما يفعل الخرق المتهور . ونظر أبو جعفر المنصور إلى أبي عمرو بن عبيد فقال : كلكم يمشي رويدا ، كلكم يطلب صيدا ، غير عمرو بن عبيد . وقال ابن مسعود : كانوا ينهون عن خبب اليهود ودبيب النصارى ، ولكن مشيا بين ذلك . وقيل معناه : اجعل بصرك موضع قدمك . وقرئ : وأقصد ، بهمزة القطع : أي سدد في مشيك ؛ من أقصده الرامي إذا سدد سهمه نحو الرمية ، ونسبها ابن خالويه للحجاز . والغض من الصوت : التنقيص من

--> ( 1 ) سورة النساء : 4 / 36 .